الأربعاء، 27 أبريل 2011

يوم في التحرير

"إبعدوا عن الإزاز , إجروا , الإزاز ممكن يتكسر" ...نظرنا لبعضنا للحظات لا نستطيع استيعاب ما يحدث لم يركض الجميع في كل اتجاه وما مصدر هذا الصوت العالي , نظر للسماء مذهولا ثم نهض مسرعا و جذبني من ذراعي وبدأنا نركض مبتعدين عن واجهة محل كنتاكي الشهير بميدان التحرير الذي كنا نجلس بجواره ..


وقفنا نلتقط أنفسنا ورفعنا عيوننا إلى السماء رأينا الطائرات تعبر فوق رؤوسنا وعلى مسافة قريبة جدا .. كانت طائرات حربيه من طراز "إف- 16" قال لنا أحدهم سيضربوننا جميعا بالطائرات الجيش أثبت ولائه لمبارك .. بدأت أشعر بالذعر وقلت له .. "أرجوك تعالى نمشي من هنا" .. نظر لي بغضب وبدأ يضرب الأرض بقدمه قائلا "مش هتحرك من مكاني مهما حصل" ورفع رأسه للسماء في مواجهة الطائرات وقال "أنا هنا يا قاتل يا مقتول عايزين يموتوني يموتونى .. أنا خلاص مبقاش عندي حاجه أخسرها" ثم نظر لي قائلا "إحنا مجرد نقطه في بحر ولو موتنا هو تمن إن البلد دي تتحرر والناس تاخد حقوقها يبقى أموت وانا في قمة السعاده ولو كل واحد خاف على نفسه يبقى عمرنا ما هنغير حاجه .. و صدقيني يا هند لو ثبتي النهارده عمرك ما هتخافي بعد كده أبدا .."

نظرت حولي رأيت الكل ثابت في مكانه وتعجبت من روح الناس وشجاعتهم ..لم يخف أحد كان بل على العكس كانوا يضحكون ويرددون عبارة " حسني إتجنن .. حسني إتجنن " كان الإرهاق بادي على وجهوهم وتطل من عيونهم نظرات تحدي وأمل ولا مكان للخوف 

شعرت بالخزي لأن الخوف تملك مني للحظات قليلة .. وتأثرت بالطاقة الإيجابية لدى الناس وحماسهم .. وتلاشى الخوف تماما من قلبي .. وقفت بجواره ننظر سويا لكل طائرة تعبر فوق رؤوسنا بصوتها المرتفع جدا في تحدي وسخريه .. 


بدأنا نبحث عن بقية اصدقائنا فقد كنا فقدناهم في وسط الزحام الشديد والهرج والمرج الذي ساد الميدان لفترة واثناء سيرنا إلتقينا بأكثر من ظابط جيش حاولنا أن نفهم منهم سر تحليق الطائرات الحربيه فوق رؤوسنا .. ولم نحصل على إجابه موحده بالطبع.. فمنهم من قال لنا انهم كانوا هنا لحراسة الميدان .. ومنهم من قال أنهم جاؤوا ليعلنوا تأييدهم للثوار ولتأدية التحيه العسكريه لنا .. ومنهم من قال انهم كانوا يقومون بتأمين طائرة خاصه كانت تنقل مبارك من قصره لمكان أخر أكثر أمانا .. وحتى هذه اللحظه لم يعرف أحد السبب الحقيقي وراء وجود مجموعة من الطائرات الحربيه فوق رؤوس المتظاهرين المدنيين السلميين..

التقينا بأصدقائنا أخيرا وعند غروب الشمس تقريبا بدأ الهدوء يسود الاجواء وكنا جميعا نشعر بإرهاق شديد .. جلسنا وسط ميدان التحرير لنرتاح و نأكل ثم بدأنا نضحك ونغني وينظر كل منا إلى الأخر في صمت نهنئ بعضنا على شجاعتنا .. في نهاية يوم عصيب عشنا لحظات من السعادة الغامرة فقد إكتشف كل منا كم هو صامد..قوي..شجاع..وصاحب إراده .. 
"وفي النهايه قررنا أن نبيت سويا في التحرير وأن نظل معا مهما حدث .. فلنحيا سويا أو نموت سويا .."