الثلاثاء، 23 أغسطس 2011

القـــــــــــــاهره


“كي تكتب جيداً يجب أن تكتب ما تشعر به بصدق” .. سمعت هذه العبارة من قبل وآمنت بها تماماً .. لذا قررت أن أكتب ما أشعر به وهو خليط من السعادة – الراحة – الإستقرار – المعاناة ..

أجلس في الصباح أتأمل ضوء الشمس يغمر الغرفة وأتذكر أول يوم جئت فيه إلى القاهرة وحدي .. كنت قد جئت مرات عدة قبلها في زيارات رسمية مع أحد أقاربي .. لكن هذه المرة كانت الأولى التي أذهب فيها بمفردي .. نزلت من القطار وخرجت من المحطة .. وقفت أتأمل الشوارع لدقيقة ثم بدأت رغماً عني أبكي في صمت .. كنت خائفة جداً لا أعرف أين أذهب وكيف أمشي .. الشوارع كلها تبدو متشابهة .. واسعة جداً و مزدحمة .. الناس يسيرون مسرعون ولا أحد يفكر في الإلتفات إلي ..

شعرت بغربة شديدة وفكرّت في العودة ولكن إرادتي في الوصول لهدفي كانت أقوى .. بدأت أسأل عن الطريق و كل شخص يمتلك إجابة مختلفة تماماً .. أسير على الوصف وأقف لأسأل فينظر لي الرجل قائلاً : "إيه اللي جابك هنا؟! ده انتي كدة غلط خالص" ويصف لي وصفاً آخر أسير عليه لأصادف بعد خمس دقائق فقط شخص آخر يقول لي : "إيه إللي جابك هنا!!!!؟"

في النهاية وبعد معاناة دامت ساعة ونصف تقريباً وصلت لأكتشف أن الطريق لا يستغرق أكثر من 10 دقائق فقط على الوصف الصحيح .. 

كنت ذاهبة لحضور تدريب لمدة 3 أيام .. لم نكن نزيد عن 15 شخص وبدأ التدريب بالتعارف .. أقترب دوري , جف حلقي , وتعالت ضربات قلبي وبدأت أشعر بتوتر شديد .. نظر لي المدرب وطلب مني أن أعرف نفسي .. فكرت للحظة في الهروب ولكنني استجمعت شجاعتي وقلت في خجل شديد وصوت لا يكاد يسمع (هند خطّاب – 24 سنة – طبيبة) وكنت على وشك الإغماء

بدأنا النقاش وطرح الأفكار وأتذكّر جيداً أن خجلي منعني من المشاركة بأفكاري التي أظنها كانت جيدة إلى حد ما .. شعرت بالأسى وتمنيت لو أتخلص من الخجل وأشارك وأقف وأتحدث أمام الجميع ولكن في هذه المرحلة من حياتي كانت تعد هذه الأمنيه نوعاً من الخيال العلمي  ..

في اليوم الثاني حدث مالم أتخيله أبداً .. أنهيت التدريب وذهبت مع بعض الأصدقاء إلى النيل ليلاً وفي هذه اللحظة بالذات أسرتني هذه المدينه الساحره و نشأت بيني وبينها علاقة معقده غريبه هي خليط من حب شديد ورغبة في تحديها وقهرها وقررت في هذا اليوم أن أخوض تجربتي معها , أقضي يومي صباحاً في محاولات للتغلب على خوفي ورهبتي من شوارعها وزحامها وغربتها وأهيم حباً في ليلها ونيلها وأضوائها ..

خضت تجارب عدة في العام ونصف الذي قضيته بين القاهرة وبلدتي الأصلية .. قابلت نوعيات كثيرة من البشر منهم من لايزال إلى الآن يشكل حجراً أساسياً في حياتي ومنهم من تمنيت لو لم أقابله أبداً .. وتعلمت دروس أساسية في الحياة .. جنيت الكثير و خسرت الكثير ..ومر الوقت بين نجاحات وإخفاقات وتحديات

واليوم فقط قررت أن أقر بإنتصاري عليها .. قهرت القاهره أخيرا ووقفت أمامي تشعر بالخزى لفشلها وإبتسمت أنا إبتسامة انتصار وفخر وإحترام في نفس الوقت فيجب أن أعترف أنها أيضا صاحبة فضل علي ففي أثناء محاولتي لقهرها قهرت مواطن الضعف في نفسي .. فها أنا ذا أقابل شوارعها الغريبة عني دون أى ذرة خوف أو رهبة .. أقف أمام الجموع وأتحدث بتلقائية دون خجل .. أطرح أفكاري على الملأ بمنتهى البساطة .. أفكر بشكل إيجابي في كل من مكاسب حياتي وخسائرها .. أقبل على الحياة وأنا دائما واثقة أن القادم أفضل

فشكرا لك يا واحده من أجمل مدن العالم في نظري , يا مصدر سعادتي وشقائي