الأحد، 16 ديسمبر 2012

في لجنتي الانتخابية

في بداية الكلام كده حابه أوضح حاجه، أنا كنت محجبه وقلعت الحجاب من 3 سنين تقريبا وعملت جواز سفر جديد ومن يومها وأنا ماشية بيه لان كده كده فيه الرقم القومي ومش بحتاج البطاقة ولا أعرف أصلا هي فين وصورة الجواز أقرب لشكلي حاليا.
امبارح رحت المحلة عشان الاستفتاء، لجنتي كانت في مدرسة الشهيد عادل غانم، لجنه فرعية 27، ودا بالظبط اللي حصل:
المشرف: فين البطاقة؟
- مش معايا بس معايا جواز السفر وفيه الرقم القومي
- ممنوع روحي للقاضي
رحت للي المفروض انه القاضي، راجل بدقن خفيفه كده تقريبا في الخمسينات:
- حضرتك أنا مش معايا البطاقة بس معايا جواز السفر وفيه الرقم القومي ممكن أصوت
ماردش حتى عليا وطلعلي ورقه وحط خط تحت جملة بتقول "يجب التصويت ببطاقة الرقم القومي فقط حتى لو كانت منتهيه"
- طيب تمام حضرتك مش هو دا القانون؟
- أه
- طيب اسم حضرتك ايه بقى؟
- وانتى مالك
وانا مالي؟؟ وانا مالي ازاي يعني؟
مسكت تليفوني وكلمت حد من أصحابي هناك شرحتله الوضع قالى ان القانون الفاشل بيقول لازم البطاقه بس هو مش من حقه مايقولكيش اسمه!

رحت وقفت ادام القاضي تاني وقلتله من فضلت أنا عايزه اسمك،
- بقولك ايه أنا عندي السكر والقاولون وقاعد هنا من 7 الصبح مش عارف أدخل الحمام حتى
- حضرتك وأنا مالي أنا بالسكر والقاولون أنا كل اللى بطلبه اسم حضرتك
- لا
- طيب
ورحت شاده كرسي وقاعده في اللجنه، سألني أنا قاعده كده ليه، قلتله أنا مش همشي إلا لما أعرف أسمك أو اصوت.

قعد طبعا ينفخ ويتزهأ، وفجأه دخل ناخب عادي جدا جاي يصوت زيه زي الناس بس معاه كارنيه هيئة قضائية، شاب في التلاتينات كده، طبعا دخل ع القاضي سلامات وكتير أوي من "سعادتك معاليك باشا بيه"، القاضي مسك الكارنيه وحطه في وشي وقالى أهو أسأليه بقى ينفع تصوتي ولا لا؟
الشاب دا بصي وعينه بطق شرار وقرب مني وشوح في وشي وقالي بصوت عالي "ماينفعش من  غير بطاقة ايه مشكلتك بقى؟"
- معلش لامؤاخذة حضرتك مالك أصلا بتدخل في الكلام ليه انت مش جاي تنتخب روح انتخب!
- القاضي للشاب: عايزه تعرف اسمي يا سيدي!
- الشاب ليا طبعا: نعععععععععععععععم، طب هو مالوش مزاج يقولك اسمه اتفضلي امشي يلا!
- أه طيب ننحي بقى الأحترام جانبا ونسأل مره تانيه، أنت ماكش فيه ولو اتكلمت تاني هجيبلك البوليس؟! دا أولا، ثانيا: أنا مش جاهله وعارف حقوقي ومن حقي أسأله على أسمه وشوف بطاقته كمان

خد بعضه ومشي من أدامي وراح كلم القاضي على جنب وقعدوا يبصولي وانا قاعده متنحه ماتحركتش من مكاني
بعد ربع ساعه كده جناب القاضي ساب اللجنه ومشي تقريبا راح الحمام وقعد البيه الصغنن "الناخب" مكانه !! يدي الورق للناس ويمضيهم!! صباح الفل يعني

المهم قلت أدور ع البطاقة تاني في الشنطه لاني فعلا ماكنش عندي أي فكره هي معايا ولا لا، قلت الشنطه كلها على الديسك ودعبست كويس لقيت البطاقة في المحفظه مع ورق كتير.

قمت اديتها للمشرف، ضحك اوي وقالي:
- شكلك متغير اوي
- نعم؟
- الصوره دي بالحجاب
- وانت مالك؟
- شكلك متغير في الصورة مش هينفع تصوتي؟
- قول والله! ، دا انتوا شكلكوا مش ناويين تخلصوا وتخلوا يومكم يعدي النهارده!!

مارضيش المشرف يمضيني الا لما القاضي رجع، أداله بطاقتي وقاله شكلها متغير!
- القاضي: عشان كده كنتي خايفة  تطلعيها؟
- خاااااااااااايفه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ من مين بقى من حضرتك يعني؟
- هاهاها بص يا ابني
وبمنتهى البجاحه ادى بطاقتي للناخب اللي معاه كارنيه الهيئة القضائية!!
- أنا: ايه دا بقى انشاء الله، هات البطاقة!! دا مين دا عشان يمسك بطاقتي!!!!
وبدأت افقد أعصابي وأزعق وأنادي على الظباط اللى واقفين بره وأصريت أعمل محضر! طبعا شغل المصاطب اشتغل الكلام بقى بتاع "معلش هو ماكنش يقصد" "ماهو البيه الصغير قاضي بردو" "طب خلاص يلا عشان تمضي وتصوتي"
وأنا بقى دماغي جزمة قلت هعمل محضر يعني هعمل محضر، الصدمه بقى كانت ان الكل تجاهلني ومحدش وافق يعمل محضر!!!

قعدت في الحوارات دي ساعتين ونص، ساعتين ونص جوه اللجنة بتخانق!! في الأخر القاضي قالي امضي واصوت واروح أعمل محضر بعد كده، طبعا قلة خبرتي القانونية خلتني مش عارفه أتصرف ولا عارفه الصح ايه؟

صوتت وأخد بطاقتي وجيت أمشي، الشاب الصغير قالي بطريقة تهكميه "نورتي الدنيا يا ست الكل،عايزين نبقى نشوفك تاني"

استفزني اوي الواد دا، رحت واقفه تاني أدام القاضي:
- نعم
- اسم حضرتك بقى عشان امشي! قلتها بابتسامه رخمه
- تاااااااني
- لما انت ماشي بالقانون ومعندكش مشاكل في اللجنه رافض ليه تديني أسمك
- مزاجي كده
- لا ماهو مش بالمزاج سعادتك!

ونص ساعه تانيه عدت وانا واقفه متنحه أدامه وبردو رفض يديني أسمه، خرجت من اللجنه وقلت انى عايزه أعمل محضر ولا حد عبرني ولا عرفت أروح فين وأجي منين!!

للمرة التانيه عشان الناس اللى بتقول كدب، مدرسة الشهيد عادل غانم، خلف نادي بلدية المحلة، لجنه فرعية 27

الخميس، 1 نوفمبر 2012

مفهوم السعادة



"مغمومه على ايه ما تحمدي ربنا كده".."يا بنتي هو في ايه ماكفايه انك بصحتك".."على فكرة بقى حزنك دا بطر والبطران سكته قطران زي ما بيقولوا"..وفي حديث جانبي هامس "أنا مش عارفة هي عايزه أيه أكتر من كده دي دكتورة وشغاله شغلانه كويسه وبتاخد مرتب على قلبها أد كده".

سمعت هذه الجمل مرارا في الفترة الأخيرة منذ أن بدأت أعاني من اكتئاب وبدا واضحا عليّ، والمبهر في الأمر انني لم أسأل أحد عن رأيه ولم أطلب نصيحة ولكن المصريون بحكم العادة يشعرون أن واجبهم اتجاهك يتلخص في "تقطيمك ليل نهار" لأن الاكتئاب على حد علمهم "مياعه" لذا يتوجب عليهم أن "يدوك فوق دماغك عشان تفوق شويه وتعرف إنك أحسن من غيرك".

ولا أدري لم يربط المصريين بين الاكتئاب والظروف المادية أو الاجتماعية، لذلك احتاروا في أمري وسر اكتئابي مؤخرا، وبما أن لدي وظيفة براتب محترم، وأسرتي مستقرة متماسكة، ولدي ما يكفيني من الأصدقاء، قرروا "النبش" في منطقة أخرى وبدأ الجميع في أعطاء نفسهم الحق في السؤال بتحذلق عن حياتي الشخصية ولما لم يجدوا سببا يذكر، قرر الجميع أن اكتئابي نوع من أنواع الدلال والفراغ.

ولكن لا، لاكتئابي أسباب واضحة محددة جدا من السهل رصدها فقط عن طريق طرح سؤال واحد بسيط لم يخطر ببال أحد قبل الأمس عندما فاجئتني صديقة ذكية بالسؤال عن يومي، كيف كان؟؟
قلت بحدة غير مبرره: يومي! همممم تسألين عن يومي!! حسنا لنرى، يومي كان ككل يوم، اسيقظت في الصباح بصعوبة بالغة لأني أعاني من صداع نصفي لا يزول منذ أكثر من أسبوع بسبب عدم قدرتي على النوم وحالة الأرق الملازمة لي والتي تسببها الكوابيس العزيزة التي تزورني يوميا.

أرتديت ثياب العمل والتي هي في الغالب بذلة كاملة تغطي كل جسدي، استعددت للرحيل وحين خطوة أول خطوة خارج البناية فتحت أبواب الجحيم كالعادة، المارة والباعة وحتى رجال الشرطة الجميع تقريبا يعطي لنفسه الحق في أن "يصبح عليا" بشكل أو بأخر، فأسمع الكثير من "يا صباح اللي بتغني".."صباح الفل يا جامد".."ايه الصدر الجامد دا" –مع العلم انه من المستحيل أن يعرف أحد محيط صدري تحت بذلتي الكاملة- "بس بس مووووووز"..والكثير من التعليقات الأخرى الخادشة للحياء عن جمال مؤخرتي أو صدي أو جسدي! مصحوبه في بعض الأحيان بلمس مناطق في جسدي لو اتيحت الفرصة لأحدهم.

أسمع يوميا على الأقل 20 تعليقا قذرا مختلفا، يعلو ضغط دمي وتجف حنجرتي من الشجار في الطريق من منزلي حتى عملي، ليس فقط مع من يقوم بالتحرش بي بل مع المارة الشرفاء "أوي" الذين يقدروا قيمة المتحرش في مجتمعنا ويشعرون أن واجبهم الأخلاقي يحتم عليهم حمايته حتى النهاية، فمنهم من يعترض طريقي لو قررت ملاحقة متحرش ويقول لي "المسامح كريم، كل سنة وانتي طيبة" وعلى وجهه أغبى ابتسامه ممكن رسمها!! ومنهم من يتدخل في الشجار ويستعطفني أن أترك المتحرش لأنه "ياحرام عيل صغير" ومنهم بالطبع نوعي المفضل الذي يبدأ في سبي والتحرش اللفظي بي على غرار "بصي لنفسك ومنظرك الأول".."انتى أصلا نازله عايزاهم يتحرشوا بيكي".."ماهو لو كنتي عارفه دينك ولا عارفه ربنا وحاطة طرحه على راسك ولا مغطيه خلقتك ماكنش حد كلمك"!!
تقول لي صديقتي بتعجب ولما لا تركبي سيارة أجرة ستحميكي من كل هذا؟! فأفاجأها قائلة أن المسافة من بيتي لعملي لا تأخذ أكثر من 8 دقائق سيرا!! كل هذه المضايقات والتحرشات في 8 دقائق فقط!.

نظرت لي في أسى وقالت: أكملي، قلت: بس يا ستي، أذهب إلى عملي في أسوء حالة مزاجية ممكنه، أجلس طوال اليوم مهمومة أفكر في رحلة العودة التي لا تختلف كثيرا عن تجربتي في الصباح!
أنا لست ضعيفة أو قليلة الحيلة وأصر على أخذ حقي وحررت أكثر من محضر وبلاغ في أقسام الشرطة وأتشاجر بعنف إن لزم الأمر، ولكن كما ترين عندما يتكرر نفس السيناريو يوميا يصبح الأمر مرهقا أكبر من طاقة احتمالي، لذا حاولت مرارا إيجاد طريقة ملائمة لتفادي التحرشات، جربت أن أستمع إلى الأغاني بأعلى صوت ممكن في الطريق ولكن هذا الحل زاد الأمر سوءا فلم أكن قادرة على سماع خطوات المتحرشين "التقال" خلفي الذين ينتوون "التصبيح" عليا بلمس جسدي، وتفاقمت المأساة!
قررت أن أركب سيارة أجرة في طريق الذهاب والعودة كل يوم ولكن ميزانيتي لم تحتمل كل هذه المصاريف يوميا، فأنا مستقلة ماديا أعيش على راتبي فقط ولا أتلقى المساعدات من أحد، هذا بخلاف أن بعض سائقين التاكسي الشرفاء يتحرشون أيضا بدأ من النظر و"البحلقة" في المرآة الأمامية وانتهاءا بمحاولة فتح كلام عن الجنس!!
اقترحت علي أحد أصدقائي أن يوصلني على الأقل في طريق العودة فقط، ولكن مع الوقت بدأت أشعر أنني أشكل عبئا عليه حتى وإن لم يشكو.
اقترح عليَّ أحد اصدقائي أن أشتري سيارة مستعملة ولكن "منين يا حسرة"؟

جربت أن أركب المترو محطة واحدة حتى عملي ولعمري كان هذا أكثر قرار خاطئ اتخدته، فمحطة مترو رمسيس المجاورة لمنزلي في ميدان التحرير أصطبغت بصبغة الميدان مؤخرا واصبحت مكانا مقدسا للتحرش بجميع أنواعه، نادٍ صغير للمتحرشين الأشبال!

وكل هذه الحلول مرفوضه بالنسبة لي فأنا لا أرى أي منطق في التفكير في تقييد حريتي في السير في الشارع سواء بركوب سيارة أجرة أو سيارتي أو بالاستعانه برجل ليوصلني! لم يتوجب علي أنا أن أدفع الثمن وأن أوجد الحلول؟ أين القانون والأخلاق والتدين الذي يدعون؟ من يعطي هؤلاء الحق بانتهاكي بهذا الشكل والنجاة من العقاب؟

 صدقا أخبريني يا صديقتي هل من العدل أن أحرم من أبسط حقوقي في الحياة وهو السير في الشوارع أمنة وتكبيل حريتي في ارتداء ما أريد، هل يكفيني انني متعلمة وأعمل في وظيفة محترمة وأتقاضى مبلغا معقولا كي أصبح سعيدة؟ هل من الطبيعي أن أشعر بانعدام الأمان وأن تلازمني الكوابيس بسبب 16 دقيقة أقضيها وحدي في الشارع يوميا!!

هل أبالغ في اكتئابي وعزلتي وعدم رغبتي في النهوض من سريري؟ هل من العدل أن يسلب مني هذا الحق وأن ينحدر مستوى أدائي وتركيزي في العمل بسبب هذه المضايقات؟ هل من المنطقي أن تنعدم تقريبا حياتي الاجتماعية بسبب الضغط النفسي الشديد الذي أشعر به لو قررت النزول لملاقاة أصدقائي؟ هل يتوجب عليا الآن أن أجد رجلا متفرغا أعينه حارسا شخصيا يوصلني يوميا؟
نظرت لي صديقتي مطولا وبدأت الدموع تحتشد في عينيها وقالت باكية: أنا أيضا لست سعيدة وأواجه نفس الموقف تقريبا يوميا، وبدأت في سرد قصتها الحزينة وسط دموعها.


الأربعاء، 13 يونيو 2012

قصة بلا عنوان

لم أجد عنونا مناسبا لقصتي، فكل العناوين التي جالت بذهني بدت سخيفة وسطحية لا تعبر عما أنتوي الحديث عنه.


"صراخ، ظلام، وجوه تبتسم لي في سخرية، ضحكات شماتة ترن في أذني، وجوه بعض أصدقائي تنظر لي في صدمه وأسى، وهي وجوه خفت أن أفقدها في هذه اللحظة لأن فقدانهم يعني النهاية" هذا ما أذكره كلما حاولت تذكر ذلك اليوم الكئيب.


كنا اثنان أنا وصديقة لي، وكنا أكثر من صديقاتنا الأخريات اهتماما بالسياسة لذا تلاقت أفكارنا وآمنا بضرورة المشاركة في التظاهرات المخطط لها في هذا اليوم، تقابلنا في الصباح وجبنا معاً شوارع المحلة الكبرى وسط أعداد كبيرة خرجت مثلنا تطالب بالحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية، وكلما ازدادت الأعداد كلما زاد حماسنا وهتافنا، وعند سماع أي أخبار عن تصاعد المظاهرات في المحافظات الأخرى كنا نرمق بعضنا بنظرات الأمل والتفاؤل.


استمر اليوم على هذا المنوال حتى قرب غروب الشمس، الأعداد في تزايد الهتافات مشتعلة بالحماس، ثم قررنا أن نذهب إلى منزلي لنرتاح قليلا ونأكل ونسترد نشاطنا، وفي حوالي الساعة الخامسة والنصف تلقيت مكالمة هاتفية من أحد أصدقائي يخبرني أن المظاهرات المشتعلة في جميع محافظات مصر تزداد بشكل ضخم وأن هناك إجماع على الاعتصام وقاموا بتصعيد المطالب لسقوط النظام، فرحنا جدا وقررنا أن نعود إلى الشارع لنكمل المسيرة والتظاهر مع زملائنا، ولازلت أذكر جيدا نظرة والدي حين أعلنت عن رغبتي أنا وصديقتي في النزول مرة أخرى، وقف يودعني وفي عينيه نظرة خوف علينا وفي نفس الوقت لم يكن قادرا على منعنا لأنه كان مؤمن تماما بما نفعل وأيضاً نظرة حزن لأنه كان يتمنى أن يشاركنا ولكن كبر سنه يمنعه من تحمل مشقة السير لمسافات طويلة والوقوف لساعات.


نزلنا من البيت مسرعين وحين وصلنا الميدان الذي أنتوي زملائنا الاعتصام فيه، انتابني شعور بالقلق وكأن شيئاً سيئاً سيحدث ولكنني ظللت أبحث عن أصدقائي في صمت خوفاً من أن أنقل قلقي لصديقتي - وبالطبع ما توقعته هو هجوم من الشرطة، رصاص حي، خرطوش أو حتى قنابل مسيلة للدموع، ولم أتوقع تماماً ما حدث فعلياً - التقيت أصدقائي واقتادونا إلى بقعة معينة كانوا ينتوون تشييد منصة بها، وفجأة وبدون أي مقدمات فتحت أبواب الجحيم وبدأ أبشع كوابيسي في الحدوث، عشرات من الرجال يركضون نحوي أنا وصديقتي وقبل أن استوعب ما يحدث كانوا قد أحاطوا بنا تماماً من كل اتجاه، وبدأ الهجوم الوحشي علينا في أقل من ثوان، بدأت أصرخ وأتلفت حولي وأحاول الاستنجاد بأصدقائي، أمسك يداً تلمسني وأبدأ في لعن صاحبها وأهانته فإذا بعشرات من الأيدي الأخرى تلمسني ولمساتهم تحرقني وتجذبني في كل اتجاه، لم أعد قادرة على التحكم لم أعد قادرة على استيعاب الأعداد المحيطة بنا بل ولم أعد قادرة على التفريق بين من يحاول مساعدتنا ومن يسعى للتحرش بنا، اسمع صرخات صديقتي بقربي وأراها تحاول أن تدفعهم بعيدا عنها، شعرت للحظات أن الزمن قد توقف وأنني سأظل في هذا الموقف المحزن ولن أخرج سالمة، سأموت الآن، إنها النهاية المؤسفة أموت على يد أناس مرضى دفعتهم ثقافتهم المشوهة عن المرأة وعقلهم المريض إلى ارتكاب هذه الجريمة البشعة وانتهاكنا بهذا الشكل.


كنت أرى وجه أحد من أصدقائي بين الحين والأخر، أحاول أن أتشبث به وكنت أدرك جيداً أنني لو فقدتهم لن أنجو، لحظات من الرعب مرت كلما تلفت ولم أرى أياً منهم ولحظات أخرى من الأمل الضئيل مرت كلما رأيت وجهاً أعرفه أو شعرت بيد أحدهم تحاول أن تجذبني خارج الدائرة، أخيراً استطاعوا جذبنا من أيدي المتحرشين خارجاً واقتادونا إلى مكان شبه آمن، وقفت ألتقط أنفاسي وأسندت ظهري إلى سور الحديقة خلفي خوفا من أن يهجم أحدهم عليا من الخلف، اصطف أصدقائنا أمامنا مشكلين درعاً بشرياً لحمايتنا إلى أن يتمكنوا من إحضار سيارة تأخذنا إلى المنزل، ورأيت من يصعب وصفهم بالبشر ممن اعتدوا علينا يقفون خارج حزام أصدقائي ينظرون لنا كالذئاب الضالة التي تنتظر الفرصة الملائمة للانقضاض مرة أخرى على فريستهم الجريحة التي أفلتت بأعجوبة، بدأت في الصراخ من خلف أصدقائي وأطلقت الكثير من اللعنات والسباب وكان ردهم هو ابتسامات ساخرة وضحكات تشفي وشماتة.


وأخيراً عدت إلى منزلي جريحة صامته، لم استطع أن أخبر أحداً خصوصاً والدي، فهو لا يملك في الحياة سوانا أنا وأختي كيف أخبره وأسمح لنفسي أن أشعره بالذل والمهانة وقلة الحيلة لأنه لن يستطيع أن يجلب لي حقي ولن يستطيع أن يعدني بالانتقام ممن انتهكني وأهانني وهو يعلم أنه غير قادر على التنفيذ.


عانيت ولازلت أعاني من كوابيس حتى هذا اليوم، أشعر بأيديهم تلمسني أشعر بها كأنها جمر من النار يكويني، أراهم يضحكون في سخرية وهم يتبادلون الأدوار حتى يتمكن أكبر عدد ممكن من اهانتنا وانتهاكنا، أسمع صراخ صديقتي يدمي أذني وأشعر بالذنب لأنها كانت غريبة عن بلدتي وأنا من دعوتها للمجيء ولأنني لم أستطع حمايتها، ودفعني الإحساس الذنب اتجاهها لا شعوريا إلى تجنب رؤيتها أو حتى محادثتها فكنت كلما أراها أتذكر ضعفي وذلتي وقلة حيلتي وعدم قدرتي على حمايتها.


صحيح أنني لم استسلم، صحيح أنني منذ ذلك اليوم لم أسمح لأحد بانتهاكي أو التعدي عليا ولم أصمت أبداً بعد هذا الحادث، ولكني أشعر بالخزي لأنني لم أتحدث من قبل، أشعر بالخزي لأنني تركتهم ينجون بفعلتهم، وأشعر بالخزي أكثر عندما يواجهني البعض بتبريرات لهذا الموقف المهين على سبيل المثال "الحادث كان خطأك أنت لم غادرت منزلك بعد غروب الشمس؟"، "أنتي متبرجة لا ترتدين حجاباً والبلدة مجتمع متحفظ" - مع العلم أن صديقتي محجبة وأننا كنا في الشتاء فلا جدوى من الحجج الغبية المتعلقة بملبسي ومظهري - وأكثر ما جعلني أشعر بالخزي والأسى هو نصح الناس لي بالبقاء صامته بحجة أن الحادث مر عليه أكتر من عام ونصف وأنني سأشوه مصر والثورة!!! أنا من سأشوه الثورة؟ كيف تتهموني بتشويه الثورة وتتركوهم كيف تتحول الضحية إلى جاني تحاسبوه وتتركوا الجناة الفعليين.


استغرب كثيراً من يبرر التحرش بالمرأة كيف تنامون ليلاً بضمير هانئ بعد أن توجدوا المبررات لهذا الحادث البشع؟ كيف تسمحون لأنفسكم بالتستر على هذه الجريمة؟ كيف تنصحونني بالصمت خوفاً من العار والفضيحة؟


سحقاً لكل الأغبياء المبررون لهذا الفعل!! كم كنت أتمنى أن أكن الشر لكم وأن أتمنى أن يتعرض أحبائكم لهذه الجريمة ولكن إنسانيتي تمنعني!


أرجوكم أتركوني بحالي لست بحاجه إلى نصائحكم وأرائكم المتخلفة، تعايشوا مع الجريمة وتستروا عليها, واتركوني أنا لحربي اليومية ضد التحرش ولمعاناتي وكوابيسي

الأربعاء، 11 يناير 2012

في ركني...


في ركني في غرفة مهملة في شقتنا القديمة اعتدت أن أجلس بالساعات أتحدث إلى أصدقائي الخياليين في طفولتي..

في ركني في صفي في مدرستي القديمة أجلس أستمع إلى المعلمين وأتأمل زملائي الذين لم أشعر ليوم أنني مرتبطة بهم أو أنهم يفهمون ما يدور بذهني..

في ركني في الحديقة جلست أراقب الأطفال يلعبون وأنظر إلى السماء وأتمنى أن اكبر سريعا لأصبح رائدة فضاء وأطالع النجوم عن قرب وألمسها بيدي..

في ركني في الجامعة جلست يوميا لمدة سبع سنوات استمع إلى محاضرات طبية لم اشعر للحظه أنني مهتمة بها..

في ركني في كافيتريا الجامعة جلست أراقب الفتيات يضحكن في بلاهة يحاولن إثارة إعجاب بعض الشباب الحمقى ذوي العقول الفارغة..

في ركني في الكافية المجاور لجامعتي جلست أتأمل شاشة الكمبيوتر المحمول الخاص بي وأطالع أخبار العالم وأتعجب من قدرة الإنسان على الابتكار والاكتشاف كل يوم..

في ركني في عنابر المستشفى الجامعي جلست أتألم لألم المرضى المعذبين واشعر بقلة الحيلة لعدم قدرتي على التخفيف عنهم..

في ركني في غرفة الولادة في المستشفى وقفت استمع إلى بكاء الأطفال حديثي الولادة وتمنيت يوما أن أسأل ذويهم  لم جلبوهم لهذه الدنيا فقط ليعانوا ويلاقوا نصيبهم من العذاب والكبت..

في ركني في غرفة العناية المركزة أجلس ليلا في الأيام التي أسهر بها ليلا في المستشفى أقرأ رواية لعلاء الأسواني أو بهاء طاهر على أنغام أجهزة التنفس الصناعية الرتيبة وأفكر في ضعف الإنسان وغروره في نفس الوقت, ها هو ذا يرقد بعد حياة حافلة بين يدي الله معدوم الحيلة, مجرد جسد واهن تحت رحمة جهاز معدني..

في ركني في مركز الأمومة والطفولة في طور سيناء جلست أشرب قهوتي في الصباح المبكر وأشغل يومي بالتفكير في سبب استسلام الناس في هذا البلدة الصغيرة لحياتهم الصغيرة جدا المملة..


في ركني أجلس يوميا من التاسعة صباحا إلى الخامسة عصرا اعمل وأتساءل هل تستحق الحياة هذه المعاناة؟؟ هل كان على أن أرتضي بحياة بلا طموح لكنها مريحة..

في ركني أجلس في غرفة معيشتي ليلا في شقتي الجديدة أجلس أقرأ كتابي على ضوء منخفض بجواري وأنعزل تماما عن العالم الخارجي وأفكر في مدى إبداع العقل البشري وقدرته على الإبهار..

في ركني أجلس في غرفتي أبكي في صمت كلما ضاقت بي الدنيا وأتأكد من أن أحدا لن يرى دموعي وأحاول أن اثبت نفسي وألا استسلم مهما كلفني الأمر..

في ركني اجلس في شرفتي استنشق الهواء وأتابع السيارات المسرعة وأتساءل عن السبب الذي يدفع بالناس إلى السير بهذه السرعة وأحاول أن أتخيل قصصهم..

في ركني في القطار أجلس أتأمل الطريق وأفكر ترى كيف ستكون رحلتي وهل سيتسنى لي العودة منها أم أن القدر سيكتب النهاية..
في ركني في المقهى القريب من بيتي أجلس بعد كل علاقة حب فاشلة أتساءل هل هم المذنبون آم أنني أنا الملامة الوحيدة تأخذني الحياة والطموح عن التفكير في الاستقرار..


في ركني المفضل على أريكتي الفاخرة أجلس بعد كل سهرة صاخبة أحاول بها أن أملأ فراغ حياتي, استمتع بالصمت المحيط بي وأتساءل هل اختياري للوحدة كان موفقا آم انه كان بتوجب علي أن أتزوج وأنجب للحياة أطفال مزعجون يصعب تقويمهم ويخالفوني الرأي ويرثون عاداتي ويثيرون غضبي في اغلب الأحيان..

في ركني الذي وضعت به مرآتي المفضلة في غرفتي وتأملت وجهي العجوز المجعد وابتسمت, يا لها من حياة عشتها لا أدري أكانت سعيدة أم لا؟ مرضية أم لا؟ ولكن المؤكد أن موتي الليلة لن يصاحبه الندم..