"صراخ، ظلام، وجوه تبتسم لي في سخرية، ضحكات شماتة ترن في أذني، وجوه بعض أصدقائي تنظر لي في صدمه وأسى، وهي وجوه خفت أن أفقدها في هذه اللحظة لأن فقدانهم يعني النهاية" هذا ما أذكره كلما حاولت تذكر ذلك اليوم الكئيب.
كنا اثنان أنا وصديقة لي، وكنا أكثر من صديقاتنا الأخريات اهتماما بالسياسة لذا تلاقت أفكارنا وآمنا بضرورة المشاركة في التظاهرات المخطط لها في هذا اليوم، تقابلنا في الصباح وجبنا معاً شوارع المحلة الكبرى وسط أعداد كبيرة خرجت مثلنا تطالب بالحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية، وكلما ازدادت الأعداد كلما زاد حماسنا وهتافنا، وعند سماع أي أخبار عن تصاعد المظاهرات في المحافظات الأخرى كنا نرمق بعضنا بنظرات الأمل والتفاؤل.
استمر اليوم على هذا المنوال حتى قرب غروب الشمس، الأعداد في تزايد الهتافات مشتعلة بالحماس، ثم قررنا أن نذهب إلى منزلي لنرتاح قليلا ونأكل ونسترد نشاطنا، وفي حوالي الساعة الخامسة والنصف تلقيت مكالمة هاتفية من أحد أصدقائي يخبرني أن المظاهرات المشتعلة في جميع محافظات مصر تزداد بشكل ضخم وأن هناك إجماع على الاعتصام وقاموا بتصعيد المطالب لسقوط النظام، فرحنا جدا وقررنا أن نعود إلى الشارع لنكمل المسيرة والتظاهر مع زملائنا، ولازلت أذكر جيدا نظرة والدي حين أعلنت عن رغبتي أنا وصديقتي في النزول مرة أخرى، وقف يودعني وفي عينيه نظرة خوف علينا وفي نفس الوقت لم يكن قادرا على منعنا لأنه كان مؤمن تماما بما نفعل وأيضاً نظرة حزن لأنه كان يتمنى أن يشاركنا ولكن كبر سنه يمنعه من تحمل مشقة السير لمسافات طويلة والوقوف لساعات.
نزلنا من البيت مسرعين وحين وصلنا الميدان الذي أنتوي زملائنا الاعتصام فيه، انتابني شعور بالقلق وكأن شيئاً سيئاً سيحدث ولكنني ظللت أبحث عن أصدقائي في صمت خوفاً من أن أنقل قلقي لصديقتي - وبالطبع ما توقعته هو هجوم من الشرطة، رصاص حي، خرطوش أو حتى قنابل مسيلة للدموع، ولم أتوقع تماماً ما حدث فعلياً - التقيت أصدقائي واقتادونا إلى بقعة معينة كانوا ينتوون تشييد منصة بها، وفجأة وبدون أي مقدمات فتحت أبواب الجحيم وبدأ أبشع كوابيسي في الحدوث، عشرات من الرجال يركضون نحوي أنا وصديقتي وقبل أن استوعب ما يحدث كانوا قد أحاطوا بنا تماماً من كل اتجاه، وبدأ الهجوم الوحشي علينا في أقل من ثوان، بدأت أصرخ وأتلفت حولي وأحاول الاستنجاد بأصدقائي، أمسك يداً تلمسني وأبدأ في لعن صاحبها وأهانته فإذا بعشرات من الأيدي الأخرى تلمسني ولمساتهم تحرقني وتجذبني في كل اتجاه، لم أعد قادرة على التحكم لم أعد قادرة على استيعاب الأعداد المحيطة بنا بل ولم أعد قادرة على التفريق بين من يحاول مساعدتنا ومن يسعى للتحرش بنا، اسمع صرخات صديقتي بقربي وأراها تحاول أن تدفعهم بعيدا عنها، شعرت للحظات أن الزمن قد توقف وأنني سأظل في هذا الموقف المحزن ولن أخرج سالمة، سأموت الآن، إنها النهاية المؤسفة أموت على يد أناس مرضى دفعتهم ثقافتهم المشوهة عن المرأة وعقلهم المريض إلى ارتكاب هذه الجريمة البشعة وانتهاكنا بهذا الشكل.
كنت أرى وجه أحد من أصدقائي بين الحين والأخر، أحاول أن أتشبث به وكنت أدرك جيداً أنني لو فقدتهم لن أنجو، لحظات من الرعب مرت كلما تلفت ولم أرى أياً منهم ولحظات أخرى من الأمل الضئيل مرت كلما رأيت وجهاً أعرفه أو شعرت بيد أحدهم تحاول أن تجذبني خارج الدائرة، أخيراً استطاعوا جذبنا من أيدي المتحرشين خارجاً واقتادونا إلى مكان شبه آمن، وقفت ألتقط أنفاسي وأسندت ظهري إلى سور الحديقة خلفي خوفا من أن يهجم أحدهم عليا من الخلف، اصطف أصدقائنا أمامنا مشكلين درعاً بشرياً لحمايتنا إلى أن يتمكنوا من إحضار سيارة تأخذنا إلى المنزل، ورأيت من يصعب وصفهم بالبشر ممن اعتدوا علينا يقفون خارج حزام أصدقائي ينظرون لنا كالذئاب الضالة التي تنتظر الفرصة الملائمة للانقضاض مرة أخرى على فريستهم الجريحة التي أفلتت بأعجوبة، بدأت في الصراخ من خلف أصدقائي وأطلقت الكثير من اللعنات والسباب وكان ردهم هو ابتسامات ساخرة وضحكات تشفي وشماتة.
وأخيراً عدت إلى منزلي جريحة صامته، لم استطع أن أخبر أحداً خصوصاً والدي، فهو لا يملك في الحياة سوانا أنا وأختي كيف أخبره وأسمح لنفسي أن أشعره بالذل والمهانة وقلة الحيلة لأنه لن يستطيع أن يجلب لي حقي ولن يستطيع أن يعدني بالانتقام ممن انتهكني وأهانني وهو يعلم أنه غير قادر على التنفيذ.
عانيت ولازلت أعاني من كوابيس حتى هذا اليوم، أشعر بأيديهم تلمسني أشعر بها كأنها جمر من النار يكويني، أراهم يضحكون في سخرية وهم يتبادلون الأدوار حتى يتمكن أكبر عدد ممكن من اهانتنا وانتهاكنا، أسمع صراخ صديقتي يدمي أذني وأشعر بالذنب لأنها كانت غريبة عن بلدتي وأنا من دعوتها للمجيء ولأنني لم أستطع حمايتها، ودفعني الإحساس الذنب اتجاهها لا شعوريا إلى تجنب رؤيتها أو حتى محادثتها فكنت كلما أراها أتذكر ضعفي وذلتي وقلة حيلتي وعدم قدرتي على حمايتها.
صحيح أنني لم استسلم، صحيح أنني منذ ذلك اليوم لم أسمح لأحد بانتهاكي أو التعدي عليا ولم أصمت أبداً بعد هذا الحادث، ولكني أشعر بالخزي لأنني لم أتحدث من قبل، أشعر بالخزي لأنني تركتهم ينجون بفعلتهم، وأشعر بالخزي أكثر عندما يواجهني البعض بتبريرات لهذا الموقف المهين على سبيل المثال "الحادث كان خطأك أنت لم غادرت منزلك بعد غروب الشمس؟"، "أنتي متبرجة لا ترتدين حجاباً والبلدة مجتمع متحفظ" - مع العلم أن صديقتي محجبة وأننا كنا في الشتاء فلا جدوى من الحجج الغبية المتعلقة بملبسي ومظهري - وأكثر ما جعلني أشعر بالخزي والأسى هو نصح الناس لي بالبقاء صامته بحجة أن الحادث مر عليه أكتر من عام ونصف وأنني سأشوه مصر والثورة!!! أنا من سأشوه الثورة؟ كيف تتهموني بتشويه الثورة وتتركوهم كيف تتحول الضحية إلى جاني تحاسبوه وتتركوا الجناة الفعليين.
استغرب كثيراً من يبرر التحرش بالمرأة كيف تنامون ليلاً بضمير هانئ بعد أن توجدوا المبررات لهذا الحادث البشع؟ كيف تسمحون لأنفسكم بالتستر على هذه الجريمة؟ كيف تنصحونني بالصمت خوفاً من العار والفضيحة؟
سحقاً لكل الأغبياء المبررون لهذا الفعل!! كم كنت أتمنى أن أكن الشر لكم وأن أتمنى أن يتعرض أحبائكم لهذه الجريمة ولكن إنسانيتي تمنعني!
أرجوكم أتركوني بحالي لست بحاجه إلى نصائحكم وأرائكم المتخلفة، تعايشوا مع الجريمة وتستروا عليها, واتركوني أنا لحربي اليومية ضد التحرش ولمعاناتي وكوابيسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق