الخميس، 23 يونيو 2011

وصمة عار

وصمة عار

استيقظت من نومي منتعشه .. فقد كنت أعشق فترة الدراسة المسائيه لإنها كانت تتيح لي فرصة النوم لوقت متأخر..إرتديت ثيابي وحملت حقيبتي وخرجت لألتقي بصديقتي وسيرنا في طريقنا إلى المدرسة نتسلى كعادتنا بالغناء أو بلعب الكره بعلب الكولا الفارغه الملقاه في الشارع..

كان الطقس شديد الحراره في هذا اليوم لذا توقفنا عند أحد المحلات..انتظرتني صديقتي في الخارج بينما ذهبت أنا لشراء زجاجة عصير بارده..كنت أناول البائع النقود عندما سمعت صرختها بالخارج..ركضت نحوها حاولت أن أفهم منها ما حدث أشارت نحو رجل كان يبتعد مسرعا وقالت لي بصوت منخفض من وسط دموعها أن هذا الرجل قد قام بلمس جسدها بطريقة غير لائقه..نظرت حولي رأيت الجميع ينظر نحونا في لامبالاه وبعضهم ينظر لها باشمئزاز..وعلى مسافة قريبه وقف بعض الشباب يشيرون نحوها ويضحكون وحاول أحدهم تقليد صرختها !!

ظلت تبكي طوال الطريق إلى المدرسة وخلال اليوم كنت أذهب لأطمئن عليها بعد كل درس..فأجدها تبكي أحيانا أو جالسه في صمت يبدو عليها الذهول أحيانا أخرى

عدت إلى منزلي وأنا أفكر ترى ما الذنب الذي إقترفته لتتعرض للإيذاء بهذا الشكل !!

في صباح اليوم التالي إلتقيتها..كانت تردتدي قميصا واسعا لا يلائمها..ولم تكن تتكلم تقريبا..وفي أثناء سيرنا ركلت علبة الكولا الفارغه باتجاهها لنلعب الا انها توقفت فجأه ونظرت لي بحده وركلت العلبة بعيدا وقالت "لن ألعب" سألتها عن السبب..قالت أن أمها أخبرتها أن سبب ما تعرضت له بالأمس هو طريقتها الخليعه في السير في الشارع وأنها الملام الوحيد ويتوجب عليها أن تتوقف عن اللعب والغناء إلى الأبد..ومضت في طريقها مسرعه

تبدلت صديقتي تماما بعد هذا اليوم..وبدأت أشعر أنها تكبرني سنا..حتى ملامحها لم تعد تحمل ذات البراءه..واختفت الابتسامه التي لم تكن تفارق وجهها أبدا

ولم أفهم أنا ما عانته إلا عندما تعرضت لحادث مماثل بعد سنه كامله تقريبا..لازلت أذكر اليوم جيدا..كان بعد عيد ميلادي الثالث عشر بيوم واحد..كنت في طريقي لشراء خبز..وكنت أسير منطلقه كعادتي ورفعت رأسي أتأمل السماء بحثا عن الطائره التي تصدر هذا الصوت المرتفع..وصدمت عندما أقترب أحدهم مني وقام بلمس جسدي بشكل مهين..شعرت كأن روحي انفصلت عن جسدي الذي كان يغلي غضبا ونفور كأنني أقف على جسر فوق بركان..أفقدتني الصدمه القدره على الحركة أو الصراخ

عدت مسرعة إلى المنزل ودخلت غرفتي وجلست في أحد الأركان أبكي وأضرب رأسي في الحائط (لماذا لم أرد..كان يتوجب علي أن اضربه..لا أن أقتله)

ظللت أسبوع كاملا أرفض الخروج..أبكي كل ليله قبل النوم..وأحلم بالكوابيس..ويوم قررت الذهاب إلى المدرسة ارتديت ثيابي وتأملت نفسي للحظه..ثم اتجهت إلى خزانة ثياب أختي التي تكبرني عامين وأخرجت أحد قمصانها وأرتديته ووقفت مرة أخرى أتأمل نفسي..لم أهتم كم كان شكلي مضحكا وأنا أرتدي قميصها الواسع..وحملت حقيبتي وخرجت

التقيت صديقتي وسيرنا مسرعين إلى المدرسة..نتلفت حولنا كلما شعرنا بأحدهم يقترب..نعبر إلى الجانب الأخر من الطريق إذا ما رأينا شابا أو رجلا في مواجهتنا
تلاشت البراءه من ملامحنا..وأختفت ابتسامتنا..ولم يعد الجيران يستمعون كل صباح إلى صوت لعبنا أو غنائنا..فقط صوت أحذيتنا ونحن نركض مسرعين نحو المدرسة نتمنى ألا يرانا أحد

كبرنا وأفترقنا وتعرض كل منا لمواقف مشابهه كثيرة..وعلى مدار حياتي أنا أدركت الحقيقة..أدركت أنه لا ذنب لي..أدركت أنني لا يجب أن أشعر بالخزي..فهم المجرمون لا أنا..هم من قتلوا براءتي..هم من يستحقون العذاب والمعاناه لا أنا

كنت في العشرين من عمري عندما قررت أننى لن أصمت مجددا عن حقي وبدأت أبلغ عن كل حادث أتعرض له..وشجعني أبي وأمي كثيرا على هذا القرار فمن وجهة نظرهم أن الصمت يزيد من حجم المشكلة ويعد اشتراك في الجريمة..وساعدني هذا على التخلص نوعا ما من أغلب عقد الماضي..على الرغم من عدم حصولي على حقي في أغلب الأحيان..


واليوم..ألتقيت صديقتي صدفة بعد سبع سنوات من أخر لقاء جمعنا..سيرنا سويا في الشارع كما كنا نفعل في الماضي..كنت أسير أنا منطلقه مرفوعة الرأس..وعلى وجههي نظرات تحدي..
أما هي فلازالت ترتدي ما لا يلائمها..تتلفت حولها في شك..تعبر إلى الجانب الأخر من الطريق..تتجنب النظر في وجوه الناس..شعرت بالأسى اتجاهها وبدت لي ضحية مسكينة وصمتها أمها والمجتمع بوصمة عار لن تمحى أبدا