إكتئاب حاد" قالها وأعطى أمرا لفريق التمريض أن يتناوب على المراقبه لضمان سلامة المريضه وألقى نظرة أخيره على المحلول وأنصرف..
في الثالثة بعد منتصف الليل فتحت عيني رأيت جسد راقدا وأنا أقف بجواره..أقتربت لأدقق النظر في وجهه..يشبهني كثيرا بل إنه أنا!..لكن لم كل هذا الشحوب البادي على وجهي والدائره الواسعه من الهالات السوداء حول عيني!!!
جلست..وتذكرت أحداث الفتره الماضيه من حياتي..كنت قد عانيت منذ شهر تقريبا من إنخفاض في شهيتي
واضطراب في نومي وكنت كثيرة البكاء وأسعى دائماً للفت الأنظار دون عمد..كأنها كانت صرخة استغاثه من روحي تنذر بإقتراب نهايتها وهزيمتها..
تحول الألم النفسي إلى ألم عضوي وبدأ جسدي في الإنهيار..امتنعت عن الأكل والنوم..أصبت بنوبات قاتله من الصداع..وهكذا سلسلة لا تنتهي من المعاناة والألم والحزن..وبدأ الجميع في تجنبي فقد كنت مصدر إزعاج مستمر ويكفي أن أبقى في مكان ما لمدة 10 دقائق لإصيب كل الموجودين به بالإحباط..حتى أصدقائي المقربين تخلوا عني واتهموني بإيذائهم..فلم يعد أحد قادراً على مساندتي
وفي أحد الأيام حلمت أنني أقف على حافة النافذه مستعده للقفز وإنهاء حياتي وأنني تراجعت في أخر لحظه..وأستيقظت لأكتشف انه لم يكن حلماً..وأنني لم أعد قادره حتى على التمييز بين الواقع والخيال!!ولم ادري أن هذا مؤشر على سوء حالتي لحد كبير
أخذت حقائبي وسافرت لأعمل مجبره وأنا ألعن الظروف ولا أصدق أن أصدقائي تخلوا عني بهذه السهوله وأن أمي بهذه القسوه وأن حياتي بلا معنى وأن المجتمع هو الملام الوحيد على كل الأوضاع السيئه التي مررت بها..
كان كل شئ من حولي يزعجني..العمل..السكن..زملائي...كل شئ..وبالأمس إنهارت تماماً..بدأت في الصراخ..وأفقت لأجد نفسي في هذا الوضع..بائسه وحيده نائمه على سرير قذر في أحد أركان عنبر الطب النفسي في مستشفى حكومي..
ولكني بدأت الآن فقط أدرك الحقائق شيئا فشيئا..وأرى كل شئ بوضوح..فأمي أم تقليديه..تحبني ولكنها لا تستطيع أن تعبر عن هذا الحب في بعض الأحيان..وأصدقائي الذين أتهمتهم بالتخلي عني حاولوا بكل ما اتوا من قوة مساعدتي ومساندتي ولم أستجب..وأن المجتمع مجرد مجتمع به العديد من العيوب وأنا أملك الإختيار إما أن أتأقلم مع عيوبه أو أتركه وأبدأ من جديد في أي مكان آخر..
وأدركت أيضا أن الملام الحقيقي هو أنـــــــا..كل هذا هروب من واقع أنني إنسانه ضعيفه مدللة لم أعرف كيف أتحمل المسؤوليه وأختار دائما الطريق الأسهل ولم أرغب في المعاناة..وأضعف من أن أواجه نفسي بحقيقتها..فالفرص كانت عديده أمامي وأضعت بعضها لرغبتي في النوم لعدة ساعات أخرى..هناك دائما من أتصل به..من أشكو له..من أخبره أن يخدمني بشكل أو بآخر ولا أتحرك أنا إلا للضرورة القصوى..وأن سبب كل هذا الحزن والإكتئاب هو خروجي لأول مره للحياة الواقعيه وفشلي في أن أجد من يتحمل مسئوليتي وأكتفي أنا بلعن الظروف والمجتمع..
كم كانت نفس ضعيفه محطمه..لكني لن أسمح لها بتدميري..لن أرقد في سرير وأتعاطى أدوية الإكتئاب وأثير شفقة كل من حولي..
أستيقظت من نومي في الفجر..طلبت من الممرضه أن تنزع عني كل الأدويه..نظرت لي في شك وبدى تخوفها من أن أؤذي نفسي واضحا..ابتسمت وقلت لها"لقد انتحرت بالفعل بالأمس..قتلت نفسي الضعيفه المغلوبه على أمرها فلم تكن تستحق الحياه"
ومنذ ذلك اليوم وأنا أرى الحياه بشكل مختلف..أخرج إلى الشارع يوميا أستمتع بشمس النهار وألقي التحيه على كل من أقابل..أضحك من قلبي على أي تعليق ذكي من إنسان بسيط..أرى الحياه خليط من معاناة ومتعه..
لازلت حتى هذه اللحظه أتعافى من عملية إعادة ميلادي..ولكني واثقه أن القادم أفضل