الاثنين، 16 مايو 2011

356 جنيه 48 قرش

جلست في محطة الباص أتأمل الناس وهم يحدقون بي كأنني كائن فضائي .. منظر مثير للفضول فعلا .. فتاة تجلس وحدها في المحطة الساعة السادسة صباحاً ومسافرة بلا صحبة .. وكنت أعرف أن هذا كافي لإثارة فضول المجتمع أو ربما لإستفزازه .. فهو لن يدرك أبدا أن المرأة مجرد كائن بشري مثلها مثل الرجل ....

تذكرت حياتي وكم كنت دوما صاحبة أحلام كبيرة ولكن أحلامي كانت منفصله عن الواقع .. فمنذ بدأ دراستي الإعدادية وأنا أحلم باليوم الذي أعمل فيه كمرشدة سياحية وأقود الناس بين الآثار وأدرس التاريخ واللغات ثم أترقى لأعمل في أحد أكبر مراكز الترجمة .. أو أعمل ككاتبة صحفية أسافر في مختلف انحاء العالم وأكتب المقالات عن وضع كل دوله وحضارتها

.. وإنهارت كل أحلامي يوم حصلت في الثانوية العامة على مجموع كبير كان علي دخول كلية الطب .. ولأن أغلبنا لا يملك ترف الإختيار نظراً لقلة خبرتنا وانعدام تجارب الحياة تقريبا والنشأة في كنف الأهل كان من السهل جدا اقناعي أن هذا في مصلحتي وأنني سوف أشكرهم في يوم من الأيام .. وبالنسبة لي لم يأتي هذا اليوم حتى الآن ولا أظن انه آتً ..

كنت أدرس الطب وفي أوقات فراغي أحلم أنني سافرت اليابان وشاهدت ضحايا زلزال ما وكتبت مقال رائع حاز على جائزة .. أحلم أنني أجوب شوارع باريس الساحرة أتأمل كل ركن و أكتب عنه القصص والروايات .. أتسلق الجبال .. أغوص في أعماق المحيطات ..
وأستيقظ مرة أخرى على كتاب غليظ في يدي يتحدث عن إستئصال الزائدة الدودية ...

أضعت سبعة أعوام من عمري هباءاً أحاول بشتى الطرق إقناع نفسي أن ما أنا فيه هو الأفضل .. أراقب زملائي وهم متحمسون جدا للعمل يتلهفون لعلاج ( الحالة ) كما يسمونها .. ولم أفهم أبدا كيف لي أن استمتع بهذه المهنه وسط كل هذا العذاب .. صراخ .. بكاء .. ألم حتى وإن أنقذت حياة أحدهم –وهو أمر صعب تحقيقه في ظل الإمكانيات الضعيفه للمستشفيات الحكومية - فلن أجد أبدا أي متعة في مراقبة معاناة المرضى التي كانت كل يوم تزيد من ألمي ومعاناتي ...

ولكن كان هناك دائما عالمي الخيالي الذي ادخله خلسة فور انتهائي من العمل ... حاولت مرارا أن أجد من أتحدث معه في هذا الشأن من أقنعه أن هذا العمل لا يلائمني ولم أجد .. حاولت أن أطلب حتى أن أترك وشأني لإختيار حياتي ولكن كانت تبقى دائما أزمة المال .. من أين آتي بالمال ؟؟

.. فهنا العمل ليس عبادة ويصنف عمل جيد وعمل حقير ويعد نوعا من انواع العار أن أكون طبيبة وأعمل كسكرتيرة مثلا أو بائعة .. وتملكني اليأس لفترة إلى أن جاء اليوم الموعود .. "قامت في مصر ثوره" .. تابعت أحداث الثورة يوما بيوم وكنت من المقيمين بشكل دائم في التحرير .. وما رأيته من سلوكيات الناس وعقلياتهم ومناقشاتهم وأخلاقياتهم زاد أملي أن الثوره ستنير العقول و سترفع أفق التفكير والطموح والأحلام .. وستكون بمثابة فرصة للبدأ من جديد .. حياة جديدة بفكر مختلف ومصر أجمل ..

ومرت الأيام بعد إنتهاء الثورة وأنا أنتظر التغيير ولا شئ يحدث وبعد مرور وقت أطول فوجئت بإظلاماً للعقول بل ولم يعد هناك فكر أساسا ليوجد له أفق يعلو .. ظهر السلفيون وأحتلت أخبارهم الأعلام .. مجموعة من البشر بعقليات متخلفة رجعية وقضاياهم المثارة أغلبها تافه والآخر مخيف ..
ومن ثم بدأ الجيش الذي توسم فيه الناس خيرا بالكشف عن وجهه الحقيقي بدأً بسلسلة إعتقالات لبعض النشطاء وتفريق المتظاهرين السلميين بالعنف .. وحبس بعض الفتيات في المتحف المصري وإجراء إختبار عذرية لهن .. انتهاءا باطلاق الرصاص على المتظاهرين وفي ليلة إطلاق النار بالذات توفي أحدهم أمام أعيننا وظهر التقرير في اليوم التالي في كل وسائل الإعلام يشيد بالجيش وبتعامله الحضاري مع المتظاهرين ..

منذ تلك الليلة وأنا لم أعد كما كنت .. لم أعد الفتاة النقية لم يعد حتى بإمكاني الهروب إلى عالمي الخيالي والإدعاء أنني أجلس على قمة جبل الألب أو في أحد الأديرة البوذية .. لم أعد أحلم إلا بالرصاص .. وها أنا الآن في طريقي إلى مكان كريه لأمارس مهنة لا أحبها ...

جاء موعد رحلتي فنهضت وركبت الباص المتجه إلى الطور جنوب سيناء
ركبت بجوار السائق (عم حسن) الذي نظر الى وجهي وتسائل : لم انتى حزينة يا ابنتي .. حكيت له جزءاً من همي فقال لي : تفائلي فالقادم أفضل أنا أشعر بهذا على الرغم من أن الشركة التي أعمل بها لا تقدرنا أبداً فقد توفي زميل لي منذ يومين تقريبا وطلبنا أن يأتوا بطائرة تنقل جثمانه إلى بلده ليدفن رفضوا وشحنوه مع الأمتعة أسفل الباص وثبتوا جثته بالحجارة !!! .. وعلى الرغم من إحساسي أن المستفيد الوحيد من الثورة هم الشرطة فقد تضاعفت مرتباتهم 400 % إلا أنني متفائل وكتبت وصيتي بالأمس وقلت أنه بعد تغير الأوضاع في مصر لا يوجد لدي سوى مطلبين أولهم أن نخاطب بعضنا بلفظة أخي المواطن وأن تلغى كلمة بيه أو باشا .. والثاني إن مت أن ينقل جثماني بطائرة أو على الأقل في باص فارغ .. وعندي أمل أن مطالبي ستتحقق بعد الثورة ..

ابتسمي يا دكتورة فأنتي مقبلة على مرحلة جديدة .. ستعملي وستجني الأموال .. فقد زادت مرتبات الأطباء كثيرا بعد الثورة وحين اذ سيكون في مقدورك فعل ما تريدين .. شعرت بتفاؤل لحظي وقلت لنفسي لما كل هذا الحزن .. ربما هو عنده حق سأصبر حتى أجني المال وعندها استطيع أن اركض وراء أحلامي ..

نزلت من الباص وذهبت إلى المستشفى لأستلم عملي فجلبوا لي بعض الأوراق لأوقعها وفوجئت بورقة مفردات المرتب وزيادتها بعد الثورة .. فقد كان أساسي المرتب 190 جنيه فأصبح 193 جنيه .. ومضيت على إقرار أنني سأتقاضى أجمالي مرتب 356 جنيه 48 قرش .. وانفجرت في نوبة ضحك .. ترى هل هذا الرقم يكفي لرحلتي التي كنت أخطط لها لجبال الألب؟؟ .. أم للطائرة التي كنت أنوي استئجارها لنقل جثمان عم حسن؟؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق