الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

لن أقول وداعاً


استيقظت من نومي هذه الليلة لا أقوى على التنفس, بدأت أسعل بعنف, الغاز المسيل للدموع يملأ غرفتي, لم أكد ألتقط أنفاسي حتى سمعت طرقات عنيفة على باب غرفتي وسمعت صديقتي تصرخ من الخارج"جارنا يموت يختنق أنقذيه" قفزت من سريري مسرعة (الوضع يزداد سوءا على الدرج فالغاز أعنف وأقوى بالخارج) أكاد لا أبصر شيئا من الدموع التي تملأ عيني وجهي يحترق كأن أحدهم أشعل النيران على مسافة قريبة جدا منه.
رأيته يرقد على أحد درجات السلم فاقد الوعي يرتجف بشدة حاولت أن أتحسس نبضه وجدته ضعيفا جدا..قالت لي زوجته انه في الخامسة والستين من عمره ويعاني من فشل كلوي وعندما استنشق الغاز أثناء نومه أصيب بحالة من الفزع وركض خارج الشقة إلى أن فقد وعيه على درجات السلم..كان يعاني من إعياء قوي واختناق شديد بدأنا نصرخ في الجيران كي يعطينا أحدهم قطعة من القماش مبلله بالخل فقد علمتنا المواجهات السابقة مع الشرطة في يناير الماضي أن الخل يساعد في تخفيف أعراض الاختناق التحى يعاني منها من يستنشق الغاز المسيل للدموع ولكن مع هذا الغاز الجديد وقوته لا شيء يجدي تقريبا.
ظل على هذا الحال لمدة ساعة كاملة يسند رأسه على كتف صديقتي يسترد وعيه للحظات ثم يبدأ في الهلوسة ويفقد الوعي مجددا..استدعينا المسعفين أكثر من مره خلال هذه الساعة وفي النهاية اخبرونا أنهم غير قادرين على  الوصول إلينا بسبب حدة الاشتباكات بين الشرطة والمواطنين بالخارج..ظللنا بجواره مترقبين ننظر إلى بعضنا بأعين دامعة بسبب تأثير الغاز..في النهاية فتح عينيه وبدأ يجيب على أسئلتنا ببطء شديد وبعد معاناة استمرت ساعتين تقريبا استقرت حالته واستطاع أن ننقله إلى الداخل ونطمأن عليه.
لم تكن هذه المرة الأولى ولا الأخيرة التي يسقط فيها أمامي أحد إما مصابا بطلق ناري أو مختنقا بسبب الغاز المسيل للدموع ففي الليلة التالية ذهبنا إلى المستشفى الميداني بعمر مكرم وقررنا أنا ومجموعة من الأطباء خط النار في شارع الفلكي لإسعاف المصابين هناك نتيجة الاشتباكات العنيفة بين الداخلية المسلحة والمواطنين العزل..وما إن وصلنا حتى بدأت أصوات النيران تدوي في كل مكان..الشارع مظلم جدا لا أكاد أرى أحد فقط أسمع أصواتهم يركضون والكثير من الصراخ والسعال..سمعت أحدهم يركض في اتجاهي صارخا (وطي وطي بيضربوا نار حي) وبدأنا نركض منحنيين نحاول أن نحمي رؤسنا..ونبحث عن مكان آمن لنلتقط فيه أنفاسنا..ثم بدأنا نركض في اتجاه من سقط محاولين إسعاف أكبر عدد ممكن والدرجات النارية تحيط بنا تقوم بنقل المصابين بشدة أو فاقدي الوعي إلى المستشفيات الميدانية..ولكن ما أثار إعجابي وذهولي أننا كنا نطلب من المصابين أن  يرتاحوا قليلا ولكن أغلبهم لم يكن يستمع إلينا وفقط ينتظر حتى يلتقط أنفاسه ويعود مره أخرى إلى قلب خط النار وهو يسعل وربما يسير على قدم واحدة
عدت إلى منزلي هذه الليلة وأنا أفكر في كم الألم الذي تعرض له شباب ربما لم يتجاوز ال17 عاما من فقر ومرض وجوع ومهانة هذا الألم الذي يدفعهم إلى إلقاء أنفسهم أمام النيران ليطالب إما بحياة كريمة أو الموت لا خيار ثالث..كل من فقد عينه أو أصيب أو فقد حياته ثمنا للدفاع عن كرامته من المسئول عن دماء هؤلاء هل هم الحكام الذين سعوا في مصر فسادا أم أنهم العسكر الذين لا يعرفون إلا لغة السلاح والدمار أم نحن الذين ارتضينا 50 عاما من الذل والمهانة والاستعباد..قبل أن ألوم أحد لمت نفسي على سنوات عمري التي أضعتها بين صمتي وضعفي وهواني..عاهدت نفسي أن لا أصمت عن الحق مرة أخرى ولا أتحول لشيطان أخرس مجددا حتى لو كان الثمن حياتي
كل ليلة أنا وأصدقائي قبل الذهاب إلى الميدان نحمس بعضنا ونبتسم وقلوبنا حزينة عن كل من فقد حياته وأصيب وضاع حقه هباء..أودعهم أنا وداع صامت كأنه عزاء ولا أدري من منهم سأرى غدا ومن منهم أودع إلى الأبد..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق